مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي

154

شرح فصوص الحكم

الظاهر كذلك حجة لأهل اللّه سواء كان بالنص أو بدونه فإذا عرفت هذا فاعلم أن أهل اللّه الذين انكشف لهم أسرار النصوص الإلهية في مثل هذه المسائل إذا نظروا إلى النصوص يبسطون ويرجون رحمة اللّه وإذا نظروا إلى الإجماع خافوا عقاب اللّه هكذا حالهم إلى آخر عمرهم ، فعلمهم هذا يعطي الحيرة والتوقف وتفويض الأمر إلى اللّه وهو مقام الأعراف وعلى الأعراف رجال فهم ثابتون في هذا المقام الأعلى والأشرف فكان ثبوتهم بين هذه النصوص والإجماع وهو عين ما ذهب إليه جميع الملل الإسلامية من أنه المؤمن بين الخوف والرجاء فلا يكذبون النصوص ولا الإجماع بل يصدّقون ويجمعون بينهما كيف فإن قوله لا يقطع أن يكون لهم نعيم مباين لا يدل إلا على احتمال الوقوع لا على تحقق الوقوع والرجاء بتحقيق بمجرد احتمال وقوع الوعد فليس في كلامهم في هذه المسألة دلالة على تحقق وقوع الرحمة ولو ممتزجة بل على جواز الوقوع فكما أن المؤمن في حالة الرجاء لا يكذب النصوص الواردة في الوعيد وفي حالة الخوف لا يكذب النصوص الواردة في الوعد وكذلك أهل الفناء فما مسألتنا هذه إلا وهي عين ذلك ولا تحمل عليه أي على الشيخ ما لا تحمل عبارته بل كل ما نقوله من مدلولات كلامه ومقصوده وليس مقصوده من إيراد هذه المسألة إلا تحقيق دلالة النصوص في هذا الباب فإن أكثر الناس لا يعلمون مثل ما علمه فما ثبت قطع الرحمة عنده بالكلية إلا بالإجماع وأما النصوص فلا تدل إلا على قطع نوع من الرحمة وهو نعيم الجنان ، فقد رفع الحجاب بذلك التحقيق عن وجوه المعاني لأهل الإنصاف وهذا التطبيق والتوجيه على مراده مما لم يهتد به أحد من قبلي واللّه الهادي إلى صراط مستقيم وما ذلك الكتاب إلا كرامة منه لذلك ردّ البعض وقبل البعض وذلك من خصائص المعجزة والكرامة شعبة منها إلا أن منهم من ردّه لغير أهله وأجازه لأهله فله وجه ظاهر مطابق للواقع ، ومنهم من ردّه وبالغ في ردّه بالإبطال والإحراق فله وجه صحيح أيضا فإن للفتوى لا يكون عن جهل لأنه هو الحكم على ما ينتهي إليه علم المفتي من الحق والباطل فإن الحكم في حق الشيء بالحق أو الباطل تابع بعلم المفتي لا على ما كان عليه نفس ذلك الشيء في الواقع فلا يكلف إلا بالجهد على قدر طاقته البشرية بحيث لا يكون مقصرا في جهده في حكم شيء كالمصلي المتحري نحو القبلة ولا يكلف باطلاع على حقيقة الأمر فإن ذلك ليس في وسع كل أحد فكان مثابا ومأجورا بعمل ما يجب عليه من حفظ الشريعة المطهرة ولا يتعلق به لسان الذم شرعا وحقيقة بل هذا عند أهل اللّه بل عند صاحب الكتاب أكمل الناس في مقام الشرع لظهور غاية الشرع بكماله منه فكان الإحراق في حق الكتاب وإن كان ظلما أولى من أن لا يطلع ويعمل به فاستحق بذلك عند أهل التحقيق لسان المدح فلا ينبغي للسالكين أن يظنوا السوء بالعلماء في مثل ذلك فإن ظهور هذه الأفعال منهم لا يكون إلا عن كمالاتهم في مرتبتهم اقتضت صدور ذلك لا عن نقصهم فمن ظن السوء منا فليس ذلك